المسعودي
96
مروج الذهب ومعادن الجوهر
والأودية والرمال والدّهاس وأطراف البراري والقفار . ومن بحر إفريقية وصقلية يخرج المرجان ، وهو المتصل ببحر الظلمات المعروف ببحر أوقيانس ، وغير هؤلاء ممن ذكرنا من الأمم ممن سكن قطع الأرض وابتنى المدائن شرقا وغربا . ورأت العرب ان جولان الأرض وتخير بقاعها على الأيام أشبه بأولي العز وأليق بذوي الأنفة ، وقالوا : لنكون ( 1 ) محكمين في الأرض ونسكن حيث نشاء أصلح من غير ذلك ، فاختاروا سكنى البدو ، من أجل ذلك . وذكر آخرون أن القدماء من العرب لما ركبهم الله من سمو الأخطار ( 2 ) ، ونبل الهمم والأقدار ، وشدة الأنفة ، والحمية من المعرة ، والهرب من العار ، بدأت بالتفكر في المنازل ، والتقدير للمواطن ، فتأمَّلوا شأن المدن والأبنية ، فوجدوا فيها معرة ونقصا ، وقال ذوو المعرفة والتمييز منهم : ان الأرضين تمرض كما تمرض الأجسام ، وتلحقها الآفات ، والواجب تخير المواضع بحسب أحوالها من الصلاح ، إذ الهواء ربما قوي فأضر بأجسام سكانه ، وأحال أمزجة قطانه ، وقال ذوو الآراء منهم : ان الأبنية والتحويط حصْر عن التصرف في الأرض ، ومقطعة عن الجوَلان ، وتقييد للهمم ، وحبس لما في الغرائز من المسابقة إلى الشرف ، ولا خير في اللبث على هذه الحالة ، وزعموا أيضاً أن الأبنية والأطلال ( 3 ) تحصر الغذاء وتمنع اتساع الهواء ( 4 ) ، وتسد سروحه عن المرور وقذاه عن السلوك ، فسكنوا البر الأفيح الذي لا يخافون فيه من حصر ومنازلة ضر ، هذا مع ارتفاع الأقذاء ، وسماحة الأهواء ، واعتزال الوباء ، ومع تهذيب الأحلام في هذه المواطن ، ونقاء القرائح في التنقل في المساكن ، مع صحة الأمزجة ، وقوة الفطنة ، وصفاء الألوان ، وصيانة
--> ( 1 ) كذا ، ولعل الأصل « لأن تكون » . ( 2 ) في نسخة : على سمو الاخطار . ( 3 ) وفي نسخة : الأظلال والأبنية . ( 4 ) وفي نسخة : انفساح الهواء .